ابن خلدون

128

رحلة ابن خلدون

خاصّته للقائي ، تحفّيا وبرّا ، ومجازاة بالحسنى ؛ ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك ، وخلع عليّ وانصرفت . وخرج الوزير ابن الخطيب فشيّعني إلى مكان نزلي ؛ ثم نظمني في علية أهل مجلسه ، واختصّني بالنّجيّ في خلوته ، والمواكبة في ركوبه ، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه ، وأقمت على ذلك عنده ، وسفرت عنه سنة خمس وستّين إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ ، بطره بن الهنشه ابن أذفونش ، لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة ، بهديّة فاخرة ، من ثياب الحرير ، والجياد المقربات « 290 » بمراكب الذهب الثقيلة ، فلقيت الطاغية بإشبيلية ، وعاينت آثار سلفي بها ، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه ، وأظهر الاغتباط بمكاني ، وعلم أولية سلفنا بإشبيلية . وأثنى عليّ عنده طبيبه إبراهيم بن زرزر اليهودي ، المقدّم في الطبّ والنّجامة ، وكان لقيني بمجلس السّلطان أبي عنان ، وقد استدعاه يستطبّه ، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس . ثم نزع - بعد مهلك رضوان القائم بدولتهم - إلى الطاغية ، فأقام عنده ، ونظمه في أطبّائه . فلمّا قدمت أنا عليه ، أثنى عليّ عنده ، فطلب الطاغية منّي حينئذ المقام عنده ، وأن يردّ علي تراث سلفي بإشبيلية ، وكان بيد زعماء دولته ، فتفاديت من ذلك بما قبله . ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه ، فزوّدني وحملني ، « 291 » واختصّني ببغلة فارهة ، بمركب ثقيل ولجام ذهبيّين ، أهديتهما إلى السّلطان ، فأقطعني قرية إلبيرة من أراضي السّقي بمرج غرناطة ، وكتب بها منشورا كان نصه « 292 » . ثمّ حضرت المولد النّبويّ لخامسة قدومي ، وكان يحتفل في الصنيع « 293 » فيها

--> ( 290 ) المقربات : التي تقرب ، ولا تترك بعيدة لئلا يقرعها فحل غير جيد ، يفعلون ذلك ليحفظوا لها النسب الحر . ( 291 ) أعطاني ظهرا لأركبه . ( 292 ) بياض في جميع الأصول ، ولعل ابن خلدون ترك هذا البياض ليثبت نص هذا المنشور ، فعاجلته المنية قبل أن يتيسر له ذلك . ( 293 ) الصنيع : ما أسديته من معروف إلى إنسان . ويريد ابن خلدون هنا نفس الاحتفال .